تستخدم برامج المساعدة الاجتماعية، كالتحويلات النقدية والصناديق الاجتماعية، للمساعدة على الحدّ من تفشّي ظاهرة الفقر وتخفيف الآثار الناجمة عن صدمات المداخيل على الفئات المهمّشة والضعيفة. غير أنّ برامج المساعدة الاجتماعية لم تصمَّم في سياق استراتيجية شاملة حول الحماية الاجتماعية، وهذا ما يطرح إشكالية كبيرة حول فعالية هذه البرامج. وفي هذه المقالة، تتطرّق أفراح الأحمدي إلى حالة اليمن بالتحديد.
لمحة تاريخية
في منتصف التسعينات، أطلقت الحكومة اليمنية برنامج شبكة الأمان الاجتماعي للتخفيف من الآثار الجانبية لبرامج الإصلاح الاقتصادي على الفئات الفقيرة. ومع مرور الوقت، ازداد عدد البرامج الفرعية المنفَّذة في إطار شبكة الأمان الاجتماعي ليشتمل على: صندوق الرعاية الاجتماعية، والصندوق الاجتماعي للتنمية، ومشروع الأشغال العامة، وصندوق رعاية وتأهيل المعوقين، والبرنامج الوطني لتنمية الأسر المنتِجة، وصندوق تشجيع الإنتاج السمكي والزراعي. ويتمثّل الهدف العام لهذه الصناديق بمدّ الفقراء بالحماية والخدمات. وتجدر الإشارة إلى أنّ الصناديق الثلاثة التالية تستهدف استهدافاً مباشراً الأشخاص ذوي الإعاقة: صندوق رعاية وتأهيل المعوقين، والصندوق الاجتماعي للتنمية، وصندوق الرعاية الاجتماعية.
الصندوق الاجتماعي للتنمية: يعمل الصندوق الاجتماعي للتنمية على تنفيذ مجموعة واسعة من البرامج القائمة على التنمية المركّزة على المجتمع المحلّي وتوفير الخدمات الأساسية. وقد أنشأ الصندوق برنامجاً خاصاً بقضايا الإعاقة يعمل من خلاله على دعم وصول الأفراد إلى خدمات إعادة التأهيل والخدمات الاجتماعية، فضلاً عن بناء قدرات منظّمات الأشخاص ذوي الإعاقة والمنظّمات غير الحكومية العاملة في مجال الإعاقة، وتوفير دعم للسياسات الخاصة بالإعاقة. وفي حين يمكن اعتبار صندوق رعاية وتأهيل المعوقين آليةً خاصة بقضايا الإعاقة، يسعى كلّ من صندوق الرعاية الاجتماعية والصندوق الاجتماعي للتنمية إلى استهداف مجموعة واسعة من الفقراء اليمنيين بما في ذلك الأشخاص الفقراء من ذوي الإعاقة. إلى ذلك، يوفّر صندوق رعاية وتأهيل المعوقين مساعدة مالية للأشخاص ذوي الإعاقة في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والأجهزة المُعينة، علماً أنّ هذا النوع من المساعدات يُقدَّم أيضاً إلى المنظّمات غير الحكومية ومنظّمات الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفه دعماً مالياً للأنشطة التي تستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة. أما صندوق الرعاية الاجتماعية فيشكّل من جهته البرنامجَ الوطني للتحويلات النقدية خصوصاً أنّه يُدخل الأشخاص ذوي الإعاقة في عداد الأفراد المؤهّلين للاستفادة. ولدى التطرّق إلى التحويلات النقدية المستهدَفة للأشخاص ذوي الإعاقة في اليمن، لا بدّ من أن يشتمل الحديث على كلّ من صندوق رعاية وتأهيل المعوقين وصندوق الرعاية الاجتماعية. ففي حين يعمل صندوق الرعاية الاجتماعية على توفير تحويلات نقدية مباشرة، يقوم صندوق رعاية وتأهيل المعوقين بتقديم تحويلات عينية للأشخاص ذوي الإعاقة.
صندوق رعاية وتأهيل المعوقين: أنشئ هذا الصندوق في العام 2002 بهدف توفير مصادر مالية مستقرّة وثابتة لدعم المشاريع المختلفة لرعاية وتأهيل المعوقين، على أن تعود هذه المشاريع بالمنفعة المباشرة على المعوقين. ومن المتوقّع أيضاً أن يقوم الصندوق بالتنسيق مع الصناديق الأخرى العاملة في مجال شبكة الأمان الاجتماعي لضمان الاستجابة للاحتياجات المختلفة للأشخاص ذوي الإعاقة، وذلك عبر: 1- تمويل الأنشطة والمشاريع التي تنفّذها منظّمات الأشخاص ذوي الإعاقة والمنظّمات غير الحكومية، والتي تعود بالمنفعة المباشرة على الأشخاص ذوي الإعاقة (مثلا: التدريب المهني، وإعادة التأهيل الجسدي، والتربية المتخصّصة)، و2- شراء الخدمات المباشرة للأشخاص ذوي الإعاقة (مثلا: الأجهزة المُعينة، والرعاية الصحية، والمساعدة التربوية). ويوفّر الصندوق خدماته من خلال فروعه المنتشرة على مستوى المحافظات وتتسّم طريقة عمله بالتفاعلية إذ إنّه يتعيّن على الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم المجيء إلى الصندوق ليقدّموا طلب المساعدة. وإنّ هذا النهج بالتحديد يحدّ من وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى المساعدة لا سيّما أولئك الذين يعيشون في المناطق الريفية (أكثر من 70% من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية).
صندوق الرعاية الاجتماعية1: أنشئ هذا الصندوق في العام 1996 وكان هدفه فريداً: توفير الهبات النقدية للفئات الضعيفة التي تُحدَّد وفقاً للنهج الفئوي (أي الأيتام، والنساء اللواتي لا يوفَّر لهنّ أيّ دعم، وذوو الإعاقات الجزئية و/أو الكاملة، والمعوزون). وتجدر الإشارة إلى أنّ قيمة المساعدة كانت تتراوح حتى تاريخ قريب بين 1000 ريال يمني كحدّ أدنى مع احتساب مبلغ إضافي قدره 200 ريال يمني لكلّ فرد من أفراد العائلة، و2000 ريال يمني كحدّ أقصى للعائلة الواحدة. بيد أنّ الحكومة ضاعفت مرّتين مبلغ التحويل النقدي المُقدَّم في محاولة منها لمواجهة الأزمات الغذائية الناشئة.
من جهة أخرى، يعمل صندوق الرعاية الاجتماعية على توفير نوعَين من المساعدة:
المساعدة الاجتماعية الدائمة والإغاثة المؤقّتة. وفي الواقع، يستهدف النوع الأوّل من المساعدات الأيتام والأرامل والنساء المطلّقات والنساء العازبات وذوي الإعاقات الدائمة، في حال عدم حصولهم على دخل من مصادر أخرى كالمعاشات التقاعدية أو صندوق الشهيد. أما المجموعات التي تستهدفها الإغاثة المؤقتة فتشتمل على ذوي الإعاقات المؤقّتة والعائلات التي يكون فيها ربّ الأسرة في عداد المفقودين أو المحتجزين، فضلاً عن العاطلين عن العمل الذين صدر بحقّهم حكم قضائي وقضوا ثلاثة أشهر على الأقلّ في السجن. وفي المبدأ، على المستفيد ألا يكون لديه أيّ مصدر دخل أو أن يفتقر لأيّ مصدر دخل أو لإمكانية أن يجني أيّ دخل.
وفي نهاية العام 2006، صُنِّف نحو ثلاثة أرباع المستفيدين المستهدَفين البالغ عددهم مليون مستفيد في خانة فئة المستفيدين «الدائمين»، التي تستأثر بما نسبته 80% من الموازنة. وفي الواقع، تولّد سيطرة فئة المستفيدين «الدائمين» على الفئة الأخرى خطراً متمثلاً بعدم رفع أسماء هؤلاء الأفراد من قائمة المستفيدين من البرنامج. من جهة أخرى، يتبع توزيعُ منافع صندوق الرعاية الاجتماعية نهجَ استهداف ثلاثي المراحل: تقضي المرحلة الأولى بتوزيع عدد «الحالات» بين المحافظات بالاستناد إلى تقديرات الغذاء والفقر للعامين 1998-1999؛ أما المرحلة التالية لعملية الاستهداف فترتكز على تقديرات الغذاء والفقر الصادرة على مستوى المناطق؛ في حين أن المرحلة الأخيرة تجري على مستوى المناطق فيُعمَل على تقييم أصحاب الطلبات بناء على خمسة عشر معياراً لتحديد درجة حرمانهم. فعلى سلّم يتراوح بين صفر و26، يُعمَل تلقائياً على انتقاء الذين يسجّلون درجة أعلى من 21، وفي المقابل يُعمَل تلقائياً على استبعاد الذين يسجّلون درجة أدنى من 12. وتجدر الإشارة إلى أنّ المجالس المحلية المنتخَبة تشكّل المرجع الفاصل في الحالات الواقعة ما بين هذين الرقمَين. والجدير ذكره أن صندوق الرعاية الاجتماعية يقوم حالياً بإصلاح آليات الاستهداف التي يعتمدها. والحقيقة أنّ النهج الجديد الذي سيُعتمد سيكون رهناً بمسح ميزانية الأسر للعام 2005 وسيستخدم وسائل الاختبار غير المباشرة لتحديد الفقراء.
إلى ذلك، سيعمل النهج الجديد المعتمَد على إشراك المجتمع المحلي في العملية. ومن المتوقّع أن يساهم النهج الجديد أيضاً في تخفيف حدّة تسرّب المساعدات التي يقدّمها صندوق الرعاية الاجتماعية، إلى غير الفقراء.
هل بوسع هذه التحويلات النقدية أن تكون مفيدة للأشخاص ذوي الإعاقة؟
يعتمد صندوق الرعاية الاجتماعية آلية مساعدة نقدية تهدف إلى مساعدة الفقراء على التصدّي للفَقر المدقع. وينبغي أن يقترن المبدأ المُبَرِّر لتقديم المساعدة ببرامج الحماية الاجتماعية الأخرى (أي التدريب على المهارات، وفرص العمل، والتعليم) لمساعدة المستفيدين على الخروج من دوّامة الفقر والتخفيف من مخاطر وقوعهم فريسة الفقر. وصحيح أنّ التحويلات النقدية التي يوفّرها صندوق الرعاية الاجتماعية تهدف إلى توفير مساعدة للجهات المستفيدة إلا أنّها لا تحلّ محلّ مصادر الدخل الأخرى، ذلك أنّ قيمة التحويلات تبلغ 10% فقط من إجمالي نفقات الفقراء على الاستهلاك.
والجدير بالذكر أنّ التحويلات النقدية الحالية هي غير مشروطة، ما يعني أنّ للعائلات أو الأفراد الحرية المطلقة في اتخاذ قرار بشأن كيفية إنفاق المال. وفي إطار البرنامج الإصلاحي الذي يقوم صندوق الرعاية الاجتماعية بتنفيذه حالياً، ينظر هذا الأخير في إمكانية إدخال التحويلات النقدية المشروطة من أجل حماية الرأسمال البشري الخاص بالفقراء على المدى الطويل، وذلك عبر ربط التحويلات النقدية ببرامج التعليم والصحة. أضف إلى ذلك أنّه عملاً بالصلاحيات التي ارتضاها صندوق رعاية وتأهيل المعوقين لنفسه، بوسع هذا الأخير الاضطلاع بدور أهمّ في تخفيف الإجحاف بحقّ الأشخاص ذوي الإعاقة،
عبر دعم إعادة تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة وتطويرهم. والحقيقة أنّ تحقيق الإنصاف يستوجب إطاراً سياسياً داعماً وبرامج استباقية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة. من جهة أخرى، يدعم الصندوق الاجتماعي للتنمية بلورةَ استراتيجية وطنية للإعاقة من شأنها أن تشكّل إطاراً سياسياً للجمع ما بين البرامج التي تستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة من أجل العمل بشكل منسّق. وفي المقابل، يشكّل الدعم الفردي الذي يوفّره صندوق رعاية وتأهيل المعوقين للأشخاص ذوي الإعاقة عبر تأمين الأجهزة المُعينة وإعادة التأهيل الجسدي، مساهمةً بالغة الأهمية، ذلك أنّ ربط هذا الدعم بالتحديد مع مبادرات أخرى داعمة للتنمية على المدى الأطول كالتدريب على المهارات والتربية الدامجة، يمكن أن يساهم في تهيئة الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل أفضل لدمجهم في المجتمع. أما التحدّي الأساسي الذي يتوجّب على مختلف البرامج القائمة مواجهته، لا سيّما صندوق رعاية وتأهيل المعوقين، فيتمثل بالمقدرة على الوصول إلى الأشخاص ذوي الإعاقة في المناطق الريفية. وفي الواقع، أُطلقت مبادرات كثيرة في اليمن لكنّ كثيرة منها انحازت للمناطق الحضرية وافتقدت إلى القدرة والموارد التي تسمح لها بالوصول إلى الأفراد في المناطق الريفية.
|