Disability Monitor Initiative
مبادرة رصد قضايا الإعاقة
الشرق الأوسط
English | عربي
نحو رصد التحولات الاجتماعية وإصلاح السياسات لكفالة مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة كاملة في المجتمع
Disability Monitor Initiative
.
نحو رصد التغيّرات التشريعية والتحوّلات الاجتماعية والسياسات العامة
هل يمكن للتحويلات النقدية أن تخفّف من مستوى التمييز الذي يتعرّض له الأشخاص ذوو الإعاقة؟
أديب نعمة، مستشار لسياسات الحدّ من الفقر، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

تعرَّف التحويلات النقدية على أنّها أحد أشكال المساعدات النقدية التي تقدَّم للفقراء أو للفئات الأخرى المعرّضة للوقوع في قبضة الفقر في غياب هذا النوع من التحويلات. والجدير ذكره أن التحويلات النقدية التي تستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة خير دليل على أنّ هؤلاء يواجهون الكثير من العوائق لكسب رزقهم، حتى أنّ بعضهم من ذوي حالات القصور الحادة قد يواجه الصعوبات حتى لو توفّرت له فرص المشاركة في برامج السبل المعيشية وحتى لو كانت السياسات الراعية للشؤون التربوية والوظيفية أكثر دمجاً. وبالتالي، فإنّ التحويلات النقدية التي تستهدف الأشخاص ذوي الإعاقة إنما تتجه نحو توفير مدخول أساسي لهذه الفئات الضعيفة. وفي السياق نفسه، يشير بعض المراقبين إلى أنّ برامج التحويلات تعمل من منظار خيري إلى المعوقين وليس من منظار تنموي وحقوقي هادف إلى تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وإشراكهم في المجتمع. وفي هذه المقالة، يضع أديب نعمة موضوع التحويلات والتحدّيات المرافقة لها تحت المجهر.

لمحة سريعة

إنّ فلسفات التدخّل التنموي ومقارباته ليست متشابهة، وثمة اختلافات كبيرة فيما بينها أحياناً. وينطبق ذلك على نظم الحماية الاجتماعية، حيث نجد خطَّين نظريَين كبيرَين: الأوّل يعطي الأولوية لمسؤولية الدولة (أو المجتمع) في تأمين الحقوق والخدمات الأساسية للجميع، ولا سيّما لبعض الفئات الخاصة، باعتبار ذلك واجباً ملزماً بدون مقابل، وبدون اشتراط أيّ مساهمة من قبل الفئات أو الأفراد المعنيين، وغالباً ما يتمّ ذلك من خلال موازنة الدولة أو من خلال الهبات. والثاني يعتبر أنّه لا بدّ من أن يساهم المستفيدون من أيّ نظام للحماية الاجتماعية في تمويل الخدمات والحقوق التي يحصلون عليها1. وبشكل عام، كلّما كان نظام الحماية الاجتماعية المعيّن يشمل فئات أوسع من المواطنين، كان هناك ميل إلى اعتماد الاتجاه الأوّل وتوفير الخدمة من خلال موازنة الدولة، خصوصاً إذا كانت تعتمد منظور الحقّ – حقوق الإنسان، وإذا كانت «الخدمة» هي في حقيقة الأمر من الحقوق الإنسانية «الأساسية» الملزِمة – أخلاقياً وسياسياً وقانونياً – بحسب مواثيق حقوق الإنسان وبحسب الدساتير والتشريعات الوطنية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الفلسفة المعتمدة تؤثّر على أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة على نحو خاص، فضلاً عن أنّ لها أبعاداً ذات صلة بتعريف الإعاقة نفسها والمنظور الذي يتمّ من خلاله التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة. ويُفترض بالاتفاقية الدولية حول الأشخاص ذوي الإعاقة أن تشكّل المنظور المعتمد في هذا المجال.

في تعريف الإعاقة

بحسب الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فإنّ الإعاقة ليست نتيجة وجود نقص أو خلل في أداء بعض الوظائف الجسدية والعقلية لدى الشخص المعوق، بل هي نتيجة التفاعل بين هذا النقص والخلل من جهة، وبين خصائص التنظيم المجتمعي وآليات اشتغاله من جهة أخرى، أي بكلام بسيط، إن الإعاقة هي علاقة بين شخص بخصائص محدَّدة، ومحيط بخصائص محدَّدة. ولا تكون هناك إعاقة إلا عندما لا يتحقّق التلاؤم الأمثل بين خصائص الشخص وخصائص المحيط. وباعتبار الإعاقة علاقة، فإنّها لا تنشأ إلا بوجود طرفَيها.

وبالتالي، ووفق منظور الاتفاقية الذي هو منظور حقوق الإنسان، فإنّ مسؤولية «المجتمع والمحيط» هي مسؤولية أساسية وبنيوية في نشوء الإعاقة. ويترتّب على ذلك وجود حقّ للشخص الذي يتأثر سلباً بهذا المحيط، والذي يصبح معاقاً بسبب ذلك. وهذا يعني درجة أعلى من مسؤولية الحكومات والقطاع الخاص في إزالة هذه العوامل من المحيط، عوامل تتسبّب بالإعاقة. ومن حيث المبدأ، يجب ألا يترتّب على ذلك أيّ موجبات على الأشخاص المعوقين لجهة المساهمة في تمويل هذه التغييرات في البيئة المحيطة. من ناحية أخرى، وكما تدلّ كلّ الإحصاءات والدراسات في كلّ البلدان،

فإنّ نسبة الفقراء وذوي الدخل المنخفض بين صفوف المعوقين أعلى منها بين عموم السكان. وعلى هذا الأساس، فإنّ اتجاه الحكومات ومجمل الإدارة المجتمعية التي يشارك القطاع الخاص فيها بفعالية إلى اعتماد المقاربة الثانية يكون له اثر أكثر سلبية على ذوي الإعاقات، علماً أنّ هذه المقاربة تشدّد على أهمية المساهمات العامة أو المباشرة من خلال البدلات والرسوم لقاء الحصول على الخدمات.

- وحتى في حال استثنائهم من بعض الموجبات – وهذا أمر ممكن بما أنّهم في نظر القادة وصانعي القرار فئة محدودة العدد ويمكن استثناؤها نسبياً من الاتجاه العام ربما لاعتبار أخلاقي أو تحت ضغط معيّن – حتى في هذه الحال، فإنّ الاتجاه السائد الذي يعطي الأولوية لاعتبارات المساهمة في التمويل، من شأنه أن يوجد بيئة أقلّ ملاءمة لهم.

وكما قد أشرنا في مرحلة سابقة، فإنّ أنظمة المساهمة كثيرة، منها ما هو عام ومنها ما هو خاص. لذلك لا بدّ من الإشارة إلى أنّه ما من وصفة جاهزة، بل يجب أن يتمّ اعتماد التوازن الأمثل بين المقاربات المختلفة، وعلى قاعدة مشاركة الجميع في اتخاذ القرار بذلك، ودائماً مع الالتزام بمنظور حقوق الإنسان.

التحويلات النقدية

المساعدات والتحويلات، أدوات لنظام الحماية الاجتماعية وشبكات الأمان تشكّل المساعدات والتحويلات إحدى أدوات نظام الحماية الاجتماعية وشبكات الأمان الاجتماعي على وجه التخصيص. وبشكل عام، نجد تمييزاً بين نوعَين أساسيَين من المساعدات، الأوّل هو المساعدات العينية على اختلافها، وهو يُعتبر عاماً «شكلاً تقليدياً». والثاني، هو حديث نسبياً، ويتمثل في نظام التحويلات النقدية المشروطة وغير المشروطة (Conditional Cash Transfer; Unconditional Cash Transfer ).

التحويلات النقدية مقابل المساعدات العينية

عندما نتحدّث عن نظام للتحويلات، لا نقصد أشكالَ الدعم المادي غير المنظّمة التي تتمّ داخل الأسر أو مجموعات من الأفراد الذين تربطهم علاقات صداقة أو قربى، بل يتعلّق الأمر بنظام مهيكل لتقديم مساعدات نقدية لفئات معيّنة من الناس على أساس معايير محدَّدة eligibility criteria، ويمكن أن تكون هذه المساعدة غير مشروطة أو مشروطة. ففي الواقع، تنطلق فلسفة التحويلات النقدية من خلفية تعتبر أنّ الناس المعنيين بالمساعدة هم أدرى بأولويات اختيار مجالات إنفاق المساعدة من الجهة التي تقدّم هذه المساعدة. لذلك، فيما تستند عملية تقديم المساعدات العينية (أي الطعام، الألبسة، الأدوات المنزلية، الكتب المدرسية...)، على فرضية مفادها أنّ الذي يقدّم المساعدة هو أدرى بمصلحة المستفيد، وبناء عليه فهو يختار نيابة عنه نوع المساعدة.

التحويلات النقدية: ما لا يجب فعله

ما زالت فائدة هذا النوع من البرامج وجدواه تشكّلان موضوع نقاشات كثيرة، لا سيّما أنّه ما من توافق آراء بشأنها2. هذا ومن المتوقع أن تتعرّض البرامج التي تتميّز بإحدى المواصفات المذكورة أدناه أو أكثر، للنقد الشديد. وأبرز عناوين هذا النقد:

- المساعدات المشروطة كما المساعدات العينية تعني أنّ مقدِّم المساعدة قد قرّر الأولوية التي عبّر عنها بشرط معيّن أو قيود معيّنة؛

- النظام المعتمد لاختيار المستفيدين قد لا يكون دقيقاً وموضوعياً؛

- التحقّق من التزام المستفيدين بالشروط يتطلّب أيضاً نظاماً معقّداً للمتابعة والمراقبة؛

- عدم تحديد مدة زمنية معيّنة لتنفيذ هذا النوع من البرامج.

وفي الواقع، أظهرت التجارب عن تحوّل هذا النظام إلى نوع من الدعم المستمر خلافاً للهدف المرجو منه، الذي يَفترض تحديد مدى زمني للمساعدة الرامية إلى تمكين المستفيد من الاعتماد على نفسه.

توضيحات حول التحويلات النقدية المشروطة

هل التحويلات النقدية المشروطة هي أفضل أنواع المساعدات؟
إنّ نظام التحويلات النقدية هو أحد عناصر شبكات الأمان التي تُعتبر بدورها أحد عناصر نظام الحماية الاجتماعية. وبالتالي، لا بدّ أوّلاً من إرساء دعائم نظام متكامل للحماية الاجتماعية، وضمن هذا النظام لا بدّ من بلورة طريقة لإنشاء أفضل أشكال المساعدة (التحويلات العينية او النقدية بحسب السياق). وعليه، لا يمكن الموافقة على الدفع باتجاه الإقرار بأنّ نظام التحويلات النقدية يشكّل السبيل الأفضل لمساعدة الأشخاص ذوي الاعاقة بمعزل عن مجمل السياسات الاجتماعية القائمة وبمعزل عن أنظمة الحماية الاجتماعية، لا سيّما تلك التي تشمل المعوقين تحديداً. وفي الواقع، لا تكتسب التحويلات النقدية أيّ معنى وفائدة بدون أخذ كلّ هذه الأمور بعين الاعتبار.

هل التحويلات النقدية المشروطة تناسب المواطنين بشكل عام والأشخاص ذوي الإعاقة بشكل خاص؟
بحسب اعتقادنا، لا يمكن تقديم جواب إيجابي على هذا التساؤل. ففي حالة الأشخاص ذوي الإعاقة، تتّخذ المساعدة العينية – الخاصة بهم – شكل تقديم المُعينات اللازمة لهم للتعويض عن النقص في الوظائف الجسدية (كما في حالة توفير أطراف صناعية، أو كرسي مدولب، أو أجهزة مساعدة على السمع، أو تجهيزات لغة برايل...الخ)؛ أو شكل تقديم بعض الأدوية والمعدات التي يحتاجون إليها لأغراض الرعاية الصحية (فرشات المياه، الحفاضات، الأدوية...الخ). وبتعبير آخر، تبقى المساعدات العينية من هذا النوع في حالة الاشخاص ذوي الإعاقة ذات أولوية جلية، سواء أقدّمت مباشرة أم تمّ تقديم تحويلات نقدية لأجل توفيرها حصراً.

التحويلات النقدية من منظور الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الضعيفة الأخرى

من الممكن أن تشمل التحويلات النقدية وحتى العينية الأخرى الأشخاص ذوي الإعاقة أسوةً بغيرهم من المواطنين طالما أنّ عامل الفقر موجود. وفي حالة الأشخاص ذوي الإعاقة، غالباً ما لا يتمّ تقدير قدراتهم الفعلية حقّ تقدير (لا سيّما قدرتهم على العمل والإنتاج والمشاركة)، وغالباً ما لا يتمّ لحظ الشروط المتعلّقة بالمحيط – التي تقع مسؤوليتها على الآخرين – وبالتالي لا تدخل ضمن الشروط المنصوص عليها عادة في نظام التحويلات المشروطة. فعلى سبيل المثال، إنّ اشتراط إرسال الأطفال ذوي الإعاقة إلى المدرسة للحصول على المساعدة، يصطدم بعقبة هي عدم وجود مدارس مجهّزة لاستقبالهم، علماً أنّ ذلك لا يتوقّف على رغبة الأهل فحسب. بهذا المعنى، وفي المدى المنظور، فإنّه من الصعب تصوّر شمول الاشخاص ذوي الإعاقة بأنظمة التحويلات العينية والنقدية العامة التي تشمل الجميع. ولا بدّ من وضع نظام خاص بهم، على الأقلّ لمرحلة انتقالية، أو تخصيص أبواب خاصة بهم في أيّ نظام عام. كذلك، فإنّ النقطة الأهمّ تتمثل في بلورة سياسات اجتماعية وأنظمة حماية اجتماعية عامة للأشخاص ذوي الإعاقة تحديداً.

في دور الدولة

يختلف دور الدولة بين بلد وآخر. ففي عدد من البلدان العربية، لا سيّما النفطية منها، تضطلع الدولة بالدور الأكبر في موضوع قضايا الإعاقة، وبخاصة عندما تعمل على توفير الموارد المالية الكافية. وفي عدد من الحالات، تتوفّر ثلاثة عوامل دافعة في هذا الاتجاه:

الاوّل هو هيمنة الدولة على الشأن الاجتماعي والاقتصادي.

الثاني هو وجود خلفية دينية – اخلاقية – أيديولوجية لا تزال متأثرة بفكرة الدور الرعائي للدولة – ولو كان ذلك من منظور أبوي – عن الفئات الضعيفة (وفي هذه الحالة المعوقين).

الثالث هو توافر الموارد المالية الكافية التي تأتي بغالبيتها من ريع النفط.

وفي هذه الحالة بالتحديد، نجد أنّ الدولة نفسها تعمل على إنشاء نظام للمساعدات العينية والنقدية ومؤسسات خاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، وتلتزم التزاماً كلياً بتأمين كلّ متطلّبات رعايتهم. أما في حالة البلدان الأخرى ذات الموارد الأقلّ، فيقوم هذا النوع من المبادرات على المساحة التي تمنحها الدولة للقطاع الخاص والمجتمع المدني ضمن القطاع العام. أضف إلى ذلك تأثير المنظمات الدولية، لا سيّما البنك الدولي، الذي يُعتبر هو الأب الفعلي لنظام التحويلات النقدية والمروِّج له في البلدان التي يعمل فيها.
وفي المنطقة العربية، يلاحَظ بشكل عام أنّ الانتقال من الأنظمة القائمة حالياً إلى أنظمة التحويلات النقدية يجابَه بمقاومة من قبل الحكومات وبعض الفاعلين التنمويين، لجملة أسباب يبدو بعضها أكثر إقناعاً من البعض الآخر. و لا بدّ من الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ البلدان العربية تعاني من بيروقراطية كبيرة ومن قطاع عام يشكو من ثغرات كبيرة على مستوى القدرات البشرية والتنظيمية والممكننة، ناهيك عن تفشي مستوى عال من الفساد والزبائنية، علماً أنّ هاتين الظاهرتين لا تُعتبران حكراً على منطقة دون سواها.

فنجد أضف إلى ذلك، بروز تشكيلات اجتماعية متعدّدة داخل البلد الواحد مصحوبة بتفاوتات بين المناطق، والأديان، والطوائف، والقبائل...الخ. وإنّ هذه العوامل كلّها تزيد من صعوبة اعتماد نظام تقني ممكنن للتحويلات النقدية بما يؤدّي إلى تسجيل مستويات عالية من الأخطاء والخسائر وإلى تقليص فعالية القدرة على الرقابة. اذاً باختصار، سيبدو لشريحة واسعة من المواطنين أو التشكيلات الاجتماعية، أنّ المسؤولين يخصّصون مبالغ مالية لأنصارهم أو لأبناء منطقتهم أو قبيلتهم بدلاً من تخصيص هذه المبالغ عملاً بنظام مستند على معايير موضوعية.


1
وقد يأتي التمويل في هذا الإطار إما على شكل مساهمات عامة في صندوق معيّن، مثال المساهمات في صندوق الضمان الاجتماعي وسواه من خدمات التغطية ذات الصلة (مثال، صندوق تعويض نهاية الخدمة وصندوق الأمومة وصندوق التمريض التعاوني، إلخ) وإما على شكل موجبات ورسوم تدفع عند تيسّر إحدى الخدمات (رسوم عينية أو دفعة كاملة أو جزئية عن إحدى الخدمات).
2
لقد تمّ تحقيق أفضل هذه النتائج في دول أمريكا اللاتينية، مثال البرازيل والمكسيك والتشيلي.

Untitled Document
الفهرس
>> توفير الحماية الاجتماعية تحقيقاً للدمج الاجتماعي: ما زال الطريق طويلاً طويلاً
. Untitled Document
قاعدة البيانات
المكتبة الافتراضية <<
مركز الدولي لدعم المعلومات <<
تحميل العدد الاول عن الحماية الاجتماعية
اضغط هنا

.

إن الخدمات تشكل شرطا مسبقا لكفالة مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة كاملة في المجتمع.