Disability Monitor Initiative
مبادرة رصد قضايا الإعاقة
الشرق الأوسط
English | عربي
نحو رصد التحولات الاجتماعية وإصلاح السياسات لكفالة مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة كاملة في المجتمع
Disability Monitor Initiative
.
نحو رصد التغيّرات التشريعية والتحوّلات الاجتماعية والسياسات العامة
توفير الوصول إلى الخدمات الاجتماعية: شرط لتخفيف آثار الفقر في صفوف الأشخاص ذوي الإعاقة
داريل باريت، المنسق الإقليمي لخدمات الإعاقة، مكتب هانديكاب أنترناشونال الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط

غالباً ما تقتصر دلالة الحماية الاجتماعية على المساعدة النقدية أو العينية فتتجاهل واقع أنّ التدابير المنطوية عليها تأتي تعويضاً عن غياب الفرص وأنّها قد لا تدعم بشكل ناشط الأشخاص ذوي الإعاقة ليصلوا بقدراتهم إلى أقصى مدى. وعلى الرغم من أنّ عملية توفير الوصول إلى الخدمات الاجتماعية يشكّل تحدياً للمسائل التقنية ولتلك المرتبطة بالموارد، فإنّ هذه العملية تبقى شرطاً أساسياً لتحقيق دمج الأشخاص ذوي الإعاقة.

غالباً ما يُنظر إلى الإعاقة على أنّها في الوقت عينه سبب من أسباب الفقر وإحدى النتائج المترتبة عنه1. إلا أنّه مع التوافق الدولي على الالتزام بتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية والقضاء على الفقر المدقع، يبدو من غير المرجّح تحقيق هذا الهدف ما لم تؤخذ حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وحاجاتهم بعين الاعتبار2؛ في الواقع، تبيّن أنّ نسبة 20 % تقريباً من الفئات الأشدّ فقراً في العالم هي من ذوي الإعاقة3. فمن أجل تخفيض نسب الفقر وتحقيق نموّ اقتصادي مستدام وتنمية اجتماعية، لا بدّ من كفالة مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع4. ويقدَّر أنّ نسبة 2% فقط من الأشخاص ذوي الإعاقة في البلدان النامية تستطيع الوصول إلى الخدمات الأساسية بما فيها خدمات إعادة التأهيل. بالتالي، فإنّ الحاجة إلى إجراء تحسين في هذا المضمار هي حاجة واضحة وملحّة5. وعليه، فإنّ قيام الحكومات في البلدان النامية والمتطوّرة على حدّ سواء بتوفير وصول الأفراد إلى الخدمات الأساسية والاجتماعية، يُعتبر اليوم عاملاً رئيسياً لتحديد قدرة القطاع العام على معالجة المشاكل على مستوى الصحة والتربية والدمج ونوعية المعيشة بشكل عام، مشاكل يواجهها المواطنون وتحديداً الفئات المهمّشة أمثال الأشخاص ذوي الإعاقة.

وفيما يبقى توافق الآراء بشأن تحديد مفهوم «الخدمات الاجتماعية» غائباً، يمكن مقاربة هذا المفهوم عموماً من منظورين مختلفين. أولاً، يمكن النظر إلى الخدمات الاجتماعية على أنّها تلك الخدمات التي ينتج عنها أثر على الأفراد على مستوى شخصي محض مثل توفير المسكن والمساعدة الرعائية الشخصية فضلاً عن الحماية والدعم الاجتماعيين6. وبالإضافة إلى الجانب الشخصي المرتبط بالخدمات الاجتماعية، يمكن أيضاً اعتماد نظرة أكثر شمولية. والحقيقة أن الخدمات الاجتماعية قد تذهب أبعد من حدود توفير منافع شخصية؛ ذلك أنّ توفير بعض الخدمات كالتربية والرعاية الصحية وفرص العمل والخدمات الاجتماعية نفسها من شأنه تحقيق التماسك الاجتماعي وبلورة معايير مستوى المعيشة الأساسية مع تحسين تحقيق تكافؤ الفرص للأشخاص ذوي الإعاقة7.

لذا فمن الممكن النظر إلى الخدمات الاجتماعية على أنّها مجموعة واسعة من الخدمات الآيلة إلى تخفيض نسب الفقر والتمييز والإقصاء الاجتماعي من خلال تحقيق تكافؤ الفرص للفئات الضعيفة والمهمّشة كالأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع8. ومع توفير الخدمات الاجتماعية التي تحتاج إليها الفئات المهمّشة والضعيفة، تضطلع هذه الخدمات أيضاً بوظيفة وقائية لا تقلّ أهمية. فتوفير الخدمات الاجتماعية قد يسمح بالحؤول دون وقوع الفئات المهمّشة والضعيفة المحتمل في قبضة الفقر أو دون زيادة تهميش هذه الفئات بالتحديد بفعل العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي قد تفاقم من محدودية قدرتهم على المنافسة للحصول على الرعاية الصحية والتربية وما سوى ذلك من الخدمات الأساسية الأخرى9.
ويرتدي هذا الطابع الوقائي أهمية خاصة بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً أنّ البنك الدولي أشار إلى أنّ الفجوة القائمة بين الأثرياء والفقراء وبين المناطق الريفية والحضرية ما زالت تتسع اتساعاً مضطرداً، وذلك بعيداً عما شهدته معايير المعيشة في المنطقة من تحسّن في السنوات الثلاثين الماضية10.

وعلى أثر الإيرادات الطائلة التي أدرّها النفط على الدول العربية المنتجة للنفط في السبعينات وما لحق بها من تدفّقات اقتصادية على الدول العربية الأخرى غير المنتجة للنفط، غدت الفرصة سانحة لحكومات المنطقة من أجل دراسة إمكانية الاستثمار في الأنشطة الاجتماعية التي برزت آنذاك حاجة ملحّة إليها. وهكذا فإنّ حكومات المنطقة بدأت في الثمانينات بصرف الأموال، بدون أيّ قيد أو شرط، على الخدمات الاجتماعية بما في ذلك الرعاية الصحية والتربية. بيد أنّه في العقد التالي، أعادت الحكومات تقييم سياسات الإنفاق والموازنة بعد أن احتسبت التكلفة الحقيقية لما كانت تعتبره في مرحلة سابقة «خدمات مجانية»11.

وهكذا بدأت الحكومات تنظر عن كثب أكثر إلى مسألة احتواء التكاليف المترتبة عن الخدمات الاجتماعية، وهذا ما أكسب أهمية خاصة لمسألة توفير «الوصول» إلى الخدمات الاجتماعية، لا سيّما وصول الفئات المهمّشة كالأشخاص ذوي الإعاقة12.
إنّ توفير وصول الأفراد إلى الخدمات، لا سيّما في البيئات الصعبة أو تلك التي تطرح تحدّياً، يُعتبر دوماً أمراً حيوياً، لما هو مدرج أعلاه من أسباب اجتماعية وشخصية مرتبطة بمعايير المعيشة الأساسية والدمج الاجتماعي وتكافؤ الفرص. وتَبرز هذه الخلاصة بالاستناد إلى مختلف ما تمّ الاتفاق عليه والتوصّل إليه من فهم على المستوى الدولي بشأن الطرق والنهوج الواجب اعتمادها لتحسين أوضاع الفئات المهمّشة والفقيرة.

والحقيقة أن مسألة الوصول إلى الخدمات تشكّل مكوّناً جوهرياً في المسعى الدولي المتجسّد في الأهداف الإنمائية للألفية وفي الأهداف التي يضعها المانحون في عملهم مع المنظمات الحكومية وغير الحكومية13. وهكذا فإنّ خطة العمل الأوروبية بشأن قضايا الإعاقة (للعام 2006-2007) مثلاً حدّدت أولويات لتعزيز الوصول إلى الخدمات المرتبطة بالدمج الاجتماعي والحماية الاجتماعية14. وفي السياق نفسه، أوصت الجمعية الأوروبية لمزوّدي الخدمات للأشخاص ذوي الإعاقة (EASPD) في إطار خطة عملها للعام 2008-2009 بأن يكون وصول الجميع إلى الخدمات أمراً حيوياً في أيّ استراتيجية شاملة يتمّ اعتمادها15.

إلى ذلك، فإنّ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الصادرة عن الأمم المتحدة تشدّد على أهمية توفير وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى مختلف الخدمات باعتبار هذا الأمر بالتحديد مسألة جامعة (نذكر على سبيل المثال لا الحصر المواد التالية: 2، 19، 24، 25، 26، 27، 28)16.
وقد نتج وقعٌ إيجابي عن صدور الصكوك الدولية وأوراق السياسات، التي تعكس بدورها أهمية النظر في توفير الخدمات الاجتماعية الفعّال، فبات للحكومات في الشرق الأوسط مرجع بوسعها اللجوء إليه وإطار عمل تحرص من خلاله، بمؤازرة الفاعلين الدوليين، إلى إبقاء توفير الخدمات في سلّم أولوياتها مع تسليط الضوء على وصول الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات المهمّشة الأخرى إلى الخدمات. فمثلاً، في اليمن، يعمل البنك الدولي مع الحكومة للتأكّد من أنّ الصندوق الاجتماعي للتنمية يقوم بتحسين وصول المواطنين اليمنيين المهمّشين إلى الخدمات ويشكّل في الوقت عينه نموذجاً شفَّافاً لتوفير الخدمات الاجتماعية في البلد17.

وفي ظلّ الأصداء الإيجابية التي لاقتها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لدى الحكومات في الشرق الأوسط بدليل إقبالها على توقيعها والمصادقة عليها، ساد مناخ من الزخم والاندفاع لمواجهة بعض من التحدّيات الكثيرة التي تعترض طريق الأشخاص ذوي الإعاقة. فما تقوم به حكومات المنطقة من سنّ تشريعات خاصة بقضايا الإعاقة ووضع سياسات اجتماعية استباقية للوصول إلى خدمات التربية، لا يعتبر امتثالاً من قبلها لواجبها فحسب بل ينمّ أيضاً عما يحدوها من رغبة في إحداث تغيير إيجابي على مستوى توفير الوصول إلى الخدمات للأشخاص ذوي الإعاقة في الشرق الأوسط.


1
مارتيا سن، 1999، التنمية طريق مؤدٍ إلى الحرية، منشورات جامعة اكسفورد –أكسفورد يونيفيرستي برس.
هوغيفين جوهانيس ج، 2005، «قياس الرفاه للمجموعات الصغيرة والضعيفة: الفقر والإعاقة في أوغندا». جريدة الاقتصادات عدد 14: ص 603-6317
2
بيري كريس، فوردير أ، سلطان س، مورينو-تورس م، 2004، المقاربات المعتمدة من أجل تحسين توفير الخدمات الاجتماعية في البيئات الصعبة، ورقة عمل رقم 3، إدارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة.
3
إيلوان آن، 1999، الفقر والإعاقة: مسح الأدبيات، وحدة الحماية الاجتماعية، شبكة التنمية البشرية، البنك الدولي
4
مركز التنمية والأبحاث الوطنية للرعاية والصحة. http://info.stakes.fi/ ssd/EN/disabilityandpoverty/facts/index.htm في 27 أيلول/سبتمبر 2008 الدراسات الاستقصائية الصحية والديموغرافية. واشنطن، البنك الدولي
5
ديسبو لياندرو، 1993، حقوق الإنسان والأشخاص ذوو الإعاقة (سلسلة دراسات رقم 6)، مركز حقوق الإنسان، جنيف والأمم المتحدة، نيويورك.
6
كيرياسيسو د، توفير وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الخدمات الاجتماعية: الحاجة إلى آليات تنظيمية في جنوب شرق أوروبا، أيار/مايو 2006، هانديكاب أنترناشونال
7
أنظر إلى المرجع نفسه.
8
زافيريس تزاناتوس، 2000، الحماية الاجتماعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ورقة استعراضية مقدَّمة في منتدى التنمية لدول حوض البحر الأبيض المتوسط، القاهرة، البنك الدولي، ص. 3.
9
أنظر إلى المرجع نفسه المذكور سابقاً ص. 11.
10
أنظر إلى المرجع نفسه المذكور سابقاً ص. 14.
11
بالي مالكولم د.، الوصول إلى فقراء الريف في عالم يتّّجه صوب العولمة، ورقة صادرة عن اجتماع فريق الخبراء المعني بالعولمة وبالحدّ من الفقر : هل بوسع فقراء الريف الاستفادة من العولمة؟ الأمم المتحدة، 8-9 تشرين الثاني/نوفمبر 2001، نيويورك
12
أنظر إلى المرجع نفسه
13
الفريق الرفيع المستوى المعني بقضايا الإعاقة، ورقة موقف قدّمها الفريق الرفيع المستوى المعني بقضايا الإعاقة في اجتماع المنصة الأوروبية لإعادة التأهيل، 11-12 تشرين الأول/أكتوبر 2007.
14
أنظر إلى المرجع نفسه.
15
لجمعية الأوروبية لمزوّدي الخدمات للأشخاص ذوي الإعاقة ((EASPD، مدخلات الجمعية بشأن خطة العمل لسنتين حول قضايا الإعاقة (2008-2009) على الموقع التالي:
http://www.easpd.eu/LinkClick.aspx?fileticket=354358 61636149646B6F513D&tabid=3531&stats=false بتاريخ 28 تشرن الأول/أكتوبر 2008.
16
اتفاقية الامم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
17
بالي مالكولم د.، مرجع مذكور سابقاً.

Untitled Document
الفهرس
>> توفير الحماية الاجتماعية تحقيقاً للدمج الاجتماعي: ما زال الطريق طويلاً طويلاً
. Untitled Document
قاعدة البيانات
المكتبة الافتراضية <<
مركز الدولي لدعم المعلومات <<
تحميل العدد الاول عن الحماية الاجتماعية
اضغط هنا

.

إن الخدمات تشكل شرطا مسبقا لكفالة مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة كاملة في المجتمع.