لقد شهدت المقاربة المعتمدة في إطار الحماية الاجتماعية تطوّراً ملحوظاً في العقدين الماضيين فاشتملت على مجموعة كبيرة من المسائل وولّدت مناقشات حادة بين الممارسين وصانعي السياسات والأكاديميين. ولا بدّ في هذا الإطار من طرح الاسئلة التالية: هل يُنظر إلى الحماية الاجتماعية على أنها مجموعة من آليات المواجهة، سواء أكانت مطبَّقة على أنّها حقوق مكتسَبة أو استحقاقات تمنحها الدولة، أم على أنّها مجموعة من السياسات التي من شأنها توفير حماية للجميع ودمج المجموعات الضعيفة؟ وفي ضوء الأزمات الاقتصادية والسياسية المستمرة، تجد المجتمعات الشرق أوسطية نفسها أمام معضلة كبيرة: هل يُفترض بها أن تنظر إلى الحماية الاجتماعية الواسعة النطاق على أنّها حق أم حظوة؟
في إطار الأهداف الإنمائية للألفية، برزت التزامات وطنية ودولية بتقليص نسبة الفقر في العالم، وبنوع خاص بتخفيض نسبة السكان الذين يقلّ دخلهم اليومي عن دولار واحد، إلى النصف في الفترة ما بين 1990 و2015. وقد ألقت هذه الالتزامات الضوء على واقع مشكلة الفقر ومدى تجذّرها في البلدان النامية. وفي المقابل، برز توافق بين المؤسسات المتعدّدة الأطراف بشأن حاجة البلدان النامية الملحّة إلى تطوير البرامج والسياسات الخاصة بالحماية الاجتماعية وتعزيزها، حتى تستجيب بشكل طارئ لمشكلة الفقر وما يرافقها من أوضاع هشّة1. ويتمحور هذا التوافق حول «الحماية الاجتماعية» بوصفها إطاراً يشمل مجموعة أوسع من البرامج والأطراف المعنيين والأدوات المرتبطة بخيارات أخرى كـ»السياسات الاجتماعية» أو»الضمان الاجتماعي» أو»التأمين الاجتماعي» أو «شبكات الأمان». وفي هذه المقالة، يُستخدم مصطلح «الحماية الاجتماعية» للدلالة على أيّ مبادرة يطلقها القطاع العام والخاص، يكون من شأنها توفير تحويلات الاستهلاك ومصادر الدخل للفقراء وحماية الفئات الضعيفة من مخاطر عدم التمكّن من كسب الرزق فضلاً عن تحسين وضع الفئات المهمشة الاجتماعي وذلك بغية تحقيق الهدف العام المتمثل بتقليص حدة ضعف الفقراء وسواهم من الفئات المهمّشة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي2.
ولكن، لا بدّ من الإشارة إلى وجود تفسيرات كثيرة ومتنوّعة لتوضيح المكوّنات المحدّدة للحماية الاجتماعية. وحتى لو كنا نواجه خطر الوقوع في فخ التبسيط المفرط لهذه التفسيرات، بوسعنا تحديد رؤيتين مختلفتين تتمثلان بما يلي:
- رؤية محدودة تعتبر الحماية الاجتماعية أداة لتوفير الإعانة القصيرة الأمد لمساعدة الأفراد والأسر على مواجهة الصدمات فيما تسمح لهم في الوقت عينه بالبحث عن فرص اقتصادية جديدة تتيح لهم فوراً إمكانية تحسين أوضاعهم.
- رؤية موسّعة تعتبر أن الحماية الاجتماعية تضطلع بوظيفتين في سبيل تقليص الفقر، إحداهما قصيرة الأمد والأخرى طويلة الأمد: مساعدة الأفراد على المحافظة على أصولهم وتجميعها، وتحويل علاقاتهم الاجتماعية الاقتصادية بما لا يجبرهم على اقتناص الفرص عبر الزبائنية.
وفي الحالات التي يكون فيها الأفراد معتمدين على الآخرين بسبب سنّهم أو إعاقتهم، تطرح هذه الرؤية الموسّعة أشكالاً طويلة الأمد من المساعدة الاجتماعية كالمنح وأنظمة المعاشات التقاعدية غير القائمة على الاشتراكات. في المقابل، تسعى الرؤية المحدودة إلى إقامة تمييز واضح بين الحماية الاجتماعية وفرص تحسين كسب الرزق في حين تعتبر الرؤية الموسّعة أنّ إحداهما ترتبط بالأخرى ارتباطاً وثيقاً.
يُعتبر الضمان الاجتماعي نظاماً مُمَوَّلاً يكفل التعويض للمستفيدين أو عائلاتهم عن المخاطر التي تجعلهم عاجزين عن ممارسة أيّ عمل وبالتالي غير قادرين على توليد أيّ دخل.
رتبطت الحماية الاجتماعية تقليدياً بمجموعة من السياسات العامة التي وضعتها البلدان الصناعية «الثرية» من أجل حماية الأفراد من الفقر والحرمان. وتشتمل هذه البرامج عادة على معايير العمل، وحماية العمالة، والأنظمة الأخرى الخاصة بالحالات الطارئة المرتبطة بدورة الحياة (أي الأمومة والإعانات الأسرية والمعاشات التقاعدية)، والتعويضات عن حالات الطوارئ ذات الصلة بالعمل (أي البطالة والإصابات الناجمة عن حوادث العمل). وفي التسعينات، شهد مفهوم الحماية الاجتماعية تحوّلاً في سياق الأزمات الاقتصادية والتكييفات الهيكلية، ما أدى إلى تحديد جدول عمل للسياسة الاجتماعية في البلدان النامية. وفي هذا الإطار، غدت الحماية الاجتماعية أوسع نطاقاً من الضمان الاجتماعي أو المساعدة الاجتماعية أو شبكات الأمان الاجتماعي3.
تحديد الحماية الاجتماعية في الشرق الأوسط
تعتمد الأدبيات العلمية بشكل رئيسي منظوراً يرتكز على المؤسّسات (الوظائف المنوطة بها، طرق التمويل، القواعد الراعية للإنفاق، العلاقات القائمة بين المؤسّسات نفسها ومع المجموعات أو الوكالات الأخرى فضلاً عن القواعد والتنظيمات الإدارية)، وتعمل على تصنيف الأنظمة في نماذج مثالية لا سيما الحماية الاجتماعية بشكلها المرتكز على الفئة التي ينتمي إليها العامل (نموذج بيسمارك) والآخر المرتكز على المواطنة (نموذج بيفردج)، مع بروز توجّهين رئيسيين: التوجّه الأوّل يتمثل بدولة الرفاه ذات النهج المكمّل أو المحدود، في حين أنّ التوجّه الثاني هو دولة الرفاه الأكثر تغطية وشمولية.
وإذا رجعنا بالزمن إلى أبعد ما ترقى إليه جذور الضمان الاجتماعي المؤسّساتي في منطقة الشرق الأوسط، لا يسعنا القول إنّ المنطقة تتمتّع بسمات تجعلها تنفرد عن سواها من المناطق في العالم أو حتى تختلف عنها.
إلا أنّ اختلافات عميقة تظهر بين دولة وأخرى: فقد عملت تونس على توسيع نطاق المساهمة الإلزامية في الضمان الاجتماعي المرتبط بالعمل (أي المعاشات التقاعدية والتأمين الصحي) ليشتمل على غالبية فئات المجموعات السكانية العاملة. أما في اليمن، فلا تشمل المعاشات التقاعدية إلا نسبة ضئيلة جداً من المجموعات السكانية العاملة، لا سيما الموظفين الحكوميين. وفي دول الخليج ذات الأنظمة الملكية، الضمان الاجتماعي متوافر لكلّ المواطنين دون سواهم من الأجانب عملاً بالقانون المرعي الإجراء في هذا الإطار، وإن كان الأجانب يشكّلون السواد الأعظم من السكان في بعض الدول. أما في بعض الدول الأخرى مثال مصر، فيشمل الضمان الاجتماعي نسبة ملحوظة من العمال إلا أنّ التغطية الحالية تفقد قيمتها. وفي الختام، فإنّ الظروف المرافقة للاحتلال القائم والحروب الدائرة في كلّ من فلسطين والعراق تولّد أشكالاً مختلفة من اللاأمان تذهب أبعد بكثير من حدود أشكال اللاأمان المرتبطة بالعمل.
ويبدو جلياً أن الانكباب على الشق النظري، في إطار أيّ دراسة حول البلدان النامية، يواجه قيوداً كثيرة. ويعزى ذلك بشكل رئيسي إلى ازدواجية أنظمة الحماية مع بروز نظامين رسمي وغير رسمي. وفي هذا السياق، يواجه المنظور المؤسّساتي الرسمي مشكلةَ وجود نظام حماية غير رسمي يشتمل على مؤسّسات غير رسمية توفّر شيئاً من الحماية لغالبية السكان ولا يمكن تقليص دورها إلى الدور «الرعائي» المحض4.
التالي، يتمثل أحد التحدّيات الرئيسة في تحديد «أنظمة الحماية الاجتماعية» تحديداً منفصلاً عن المقاربات المؤسّسية التي نجدها غير ملائمة ولا سيما حيث يكون دور الدولة الاجتماعي ضعيفاً أو ناقصاً أو غير مكتمل، وحيث تقتصر العمالة المحمية على عدد محدود من العمال، وحيث لا تحمل الحقوق الاجتماعية إلا معنى ضئيلاً أو لا تحمل أيّ معنى على الإطلاق بالنسبة إلى معظم الناس، وحيث يلجأ الأفراد بغالبيتهم إلى أشكال أخرى من الحماية الاجتماعية. لذا فمن الضروري أيضاً النظر إلى خدمات الحماية التي توفّرها العائلة والمجتمع لفهم نوع الموارد التي يمكن حشدها من أجل تلبية الحاجات الاجتماعية.
تعميم الضمان الاجتماعي وتوسيع نطاقه: ضرورة عالمية
ضئيلة هي نسبة سكان العالم، لا سيما سكان البلدان النامية، الذين يستفيدون من الضمان الاجتماعي المنظّم في إطار مؤسّسات. وبالتالي، يُضطرّون في غالبيتهم إلى الاعتماد حصراً على المجتمع المحلي والتضامن الأسري فضلاً عن أشكال أخرى من المساعدة المتخصّصة والأعمال الخيرية.
شخص واحد من كلّ خمسة أشخاص من سكان العالم يتمتع بتغطية ملائمة على صعيد الضمان الاجتماعي، بينما أقلّ من نصف سكان العالم لا يتمتعون بأيّ شكل من أشكال الحماية الاجتماعية.
وقد تمّت بلورة توجّهات كثيرة لتوسيع نطاق آليات الحماية لتغطّي المجموعات الضعيفة. وفي الواقع، ترتبط النقاشات الدائرة حول الضمان الاجتماعي بالتحوّل في الإيديولوجيات بشأن الأدوار والمسؤوليات التي ينبغي أن تناط بالأفراد والعائلة والمجتمع والسوق والدولة. من جهة أخرى، يرتبط تآكل مفهوم الدولة الأمة وبروز اعتبارات جديدة بشأن المواطنة ارتباطاً جزئياً بهجرة الأفراد عبر الحدود بحثاً عن فرص تساعدهم على مواجهة أوضاعهم الاقتصادية.
وتعكس وجهات النظر هذه رؤيات مختلفة بشأن الجهات التي ينبغي أن تتشارك مسؤولية تحسين الحماية الاجتماعية: فهل ينبغي أن تتمثل هذه الجهات بالدولة أو أرباب العمل، و/أو المجموعات القوية الناشطة ضمن مجتمع ما أو الأفراد؟
هل الحماية الاجتماعية هي حقّ من حقوق الإنسان؟ نحو تعزيز الحقوق الاجتماعية والضمان الاجتماعي في المنطقة
إن وضع الحقوق العام في الدول العربية يطرح إشكالية كبيرة. فالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والمدنية تبقى خاضعة لقيود في غالبية الدول5.
وعلى الرغم من أنّ المسيرات الوطنية تختلف من دولة إلى أخرى (إن بسبب تأثير الاستعمار أو الموارد أو سواها)، كثيراً ما يُنظر إلى الحقوق الاجتماعية على أنّها حظوة يُغدق بها الحاكم على الأفراد بغالب الأحيان على أساس تمييزي (أي على أساس الجنسية، وضع العمل، الجندر...ألخ) بدلاً من اعتبارها انتصاراً سياسياً جاء تكليلاً لنضالات الحركات الاجتماعية. أضف إلى ذلك أنّ الضمان يدخل في عداد القضايا المثارة في الدول العربية. والحقيقة أنّ الضمان الاجتماعي لا يشكّل إلا بعداً واحداً من أبعاد كثيرة لضمانٍ لا يُمنح بشكل منتظم للمواطنين والمقيمين والعمال.
فضمان شخص أو عائلة رهن إلى حدّ بعيد بأصوله الاقتصادية ووضعه الاقتصادي ورأسماله السياسي. وتجدر الإشارة إلى أنّ الكثير من الدول العربية تسعى حالياً إلى توسيع نطاق الضمان الاجتماعي ليشمل بتغطيته العمال غير المحميين، إلا أنّ الإرادة السياسية و/أو الموارد الاقتصادية غالباً ما تفتقر إلى إصلاحات مهمة. فلا يسع السوق وحدها دمج أكثر فئات اليد العاملة ضعفاً، لا سيما حيث تشهد الاستثمارات الاقتصادية المنتِجة تباطؤاً لأنّها تبقى حكراً على الأفراد النافذين والعائلات القوية بدون أن تأتي بهدف توفير الرفاه لأكبر عدد ممكن من الفئات السكانية.
والحقيقة أنّ المكانة التي تحتلّها دول عربية كثيرة في الاقتصاد المعولم، فضلاً عن ظروف اللاأمان العامة التي تسود فيها، تشكّل جميعها عوامل تساهم في تهميشها وتهميش أعداد كبيرة من الفئات السكانية الناشطة فيها.
إنّ هذا الوضع بالتحديد يحتم علينا إيلاء اهتمام للحماية الاجتماعية وبنوع خاص «للشق الإجرائي» منها، باعتبار الضمان الاجتماعي حقاً من حقوق الإنسان بما أنّ مفهوم الحماية الاجتماعية أصبح عملة رائجة في الأوساط السياسية، وهذا ما يزيد من خطورة وضع أكثر الفئات والمجموعات ضعفاً.
|