Disability Monitor Initiative
مبادرة رصد قضايا الإعاقة
الشرق الأوسط
English | عربي
نحو رصد التحولات الاجتماعية وإصلاح السياسات لكفالة مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة كاملة في المجتمع
Disability Monitor Initiative
.
نحو رصد التغيّرات التشريعية والتحوّلات الاجتماعية والسياسات العامة
توفير الحماية الاجتماعية تحقيقاً للدمج الاجتماعي: ما زال الطريق طويلاً طويلاً
أليكساندر كوت
مستشار لشؤون الحوكمة والدمج الاجتماعي، سيامبري (SI.EM.PRE).

أمير هو فتى في الثامنة من العمر، مصيره محتم ومستقبله قاتم؛ فهو لن يرتاد الجامعة أبداً ولن يتزوج؛ والسبب في ذلك أنّه مصاب بشلل دماغي. أما والدة أمير فلا يمكنها أن تبحث عن فرصة عمل لكسب الرزق لأنّها تكرّس وقتها كلّه لرعايته ودعمه. وبسبب تخلّف الحكومة عن تأمين ما يتوجّب عليها توفيره من دعم وخدمات، تتكبّد والدة أمير مصاريف باهظة لتوفّر له رعاية صحية خاصة وخدمات إعادة التأهيل فضلاً عن فرص التعليم والمعينات التقنية؛ مصاريف لا يُضطر الوالدان إلى تكبّدها مع ولديهما الآخرين.

في الواقع، من أجل تغطية التكاليف الناجمة عن تأمين الرعاية الصحية لأمير، يصرف الوالدان من الأموال التي لن يتمكّنوا أبداً من ادخارها حتى يتسنّى لأمير في المستقبل أن يرتاد الجامعة أو يتزوّج. حتى إنهما يبدّدان فرصة ولديهما الآخرين في تحصيل التعليم وإحراز التقدّم الاقتصادي. وما يزيد الأمور سوءاً هو أن أمير عرضة أكثر من سواه من الأولاد لأن يعيش في الفقر عندما يصبح بالغاً، فسيكون عليه مواجهة العقبات الناجمة عن غياب شبكات الأمان وآليات الدعم التي ينبغي توفيرها لأمثاله من ذوي الإعاقة.

وقد يكون أمير لبنانياً أو أردنياً أو مصرياً. فغالبية الدول في المنطقة تفتقر إلى آليات الحماية الاجتماعية الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة. في الماضي، ركّزت الحماية الاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اهتمامَها على توفير فرص العمل في القطاع العام بشكل موسَّع، وتقديم الإعانات للسلع الاستهلاكية الرئيسية كالأغذية والطاقة، ناهيك عن توفير الرعاية الصحية الأساسية وفرص التعليم المجاني. وقد صُمِّمت هذه الآليات لتشمل غالبية السكان بدون أن تأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات المحدّدة لدى الأشخاص ذوي الإعاقة وحقوقهم. ومع تعاقب الأزمات الاقتصادية ونشوب النزاعات في بعض المناطق وبروز الآثار الناجمة عن تحرير الاقتصاد، تقلَّصت آليات الحماية الاجتماعية هذه لتحلّ محلّها التدابير والبرامج المستهدَفة؛ إلا أن هذه الأخيرة عجزت في غالبية الأحيان عن الاستجابة بشكل ملائم لحاجات الأشخاص ذوي الإعاقة، ما يكشف بطبيعة الحال النقاب عن حقيقة مفادها أن حقوق حوالى 10 % من السكان تبقى ضحية الإهمال.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم السياسات السابقة والحالية في المنطقة تستمد روحيّتها من مقاربة الإعاقة مقاربة طبية وخيرية، تركّز على بعض المنافع، وعلى الرعاية الصحية المجانية (بدون احتساب الرشوة)، وعلى الإعفاء من الضرائب (عملاً بالمبدأ القائل: إذا عجزت الدولة عن توفير التقديمات، أقلّ ما بوسعها فعله هو عدم اقتطاع الضرائب)، فضلاً عن تأمين الدعم للمُعينات التقنية وتوزيع الحصص لتوفير فرص العمل في القطاع العام. وصحيح أن كلّ هذه التدابير سمحت بشكل مؤقت بتخفيف العبء عن كاهل الأشخاص ذوي الإعاقة إلا أنّها لم تساهم مطلقاً في تعزيز فرصهم في التعليم والعمل والمشاركة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين.

وقد أظهرت المبادرات الحسنة التي أطلقتها المنظمات غير الحكومية والتي لقيت بغالبيتها دعماً من الصناديق الأجنبية والهبات الخاصة المحلية أو البرامج العامة، كبرنامج تأمين حقوق المعوّقين في لبنان أو صندوق الإعاقة اليمني، أنّه من الممكن تطوير آليات ابتكارية. ولكن، نظراً إلى أنّ قضايا الإعاقة تبقى على هامش جدول أعمال صانعي السياسات بسبب عدم فهم هذه القضايا بالتحديد فهماً سليماً، لم تفلح حتى الآن أيّ دولة في أن ترفع من شأن المبادرات الحسنة لتوفّر بالتالي استدامتها، ولا في أن تبلور خطط حماية وطنية تجمع بين شبكات الأمان الفعالة والتدابير الداعمة من أجل الحؤول دون بقاء الأشخاص ذوي الإعاقة وعائلاتهم في دوامة الفقر أو حتى الحؤول دون وقوعهم في قبضة الفقر، وتوفير مشاركتهم بصورة كاملة في المجتمع.

ومع دخول اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة حيّز التنفيذ، بات يتوجّب على الدول تحمّل مسؤولياتها لجهة التأكّد من أنّ الأطفال والراشدين من ذوي الإعاقة يتمتّعون بحقوقهم المتمثلة في العيش في المجتمع الذي ينتمون إليه، والحصول على التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل، فضلاً عن تمتعهم بتكافؤ الفرص مع الآخرين. وما زالت المجتمعات الشرق أوسطية تمييزية وغير دامجة للأشخاص ذوي الإعاقة، شأنها في ذلك شأن أغلبية المجتمعات الأخرى في العالم؛ من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن تنكبّ هذه المجتمعات على تطوير أنظمة حماية اجتماعية تكون داعمة وشاملة في الوقت عينه، وإلى أن تستخدم الموارد المتوافرة بطريقة مثلى من أجل دعم كفاح الأشخاص ذوي الإعاقة اليومي ليصيروا جزءاً من المجتمع.

وفي العدد الأوّل للجريدة الصادرة عن مبادرة رصد قضايا الإعاقة لمنطقة الشّرق الأوسط، عملنا على جمع وجهات نظر كلّ من صانعي السياسات ومزوّدي الخدمات ومنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة، وذلك في مسعى لبلورة إطار يُسمح من خلاله للجريدة بأن تكون منبراً للمزيد من المناقشات والتداولات بين الأطراف المعنيين. بناء عليه، فإننا نأتيكم بمجموعة من المقالات الجامعة بين الجانبَين النظري والعملي حول قضايا الحماية الاجتماعية، بما في ذلك الخدمات الاجتماعية وضبط الوصول إليها، إلى جانب التركيز العملي على ثلاث مسائل جوهرية لا تنفكّ تشكّل محوراً للمناقشات: التأمين الصحي والتحويلات النقدية والإعفاءات الضريبية.

وبما أنّ المبادرات المثيرة للاهتمام تكثر في منطقة الشرق الأوسط وبما أنّ المهمة التي جعلناها مهمتنا كبيرة ومعقَّدة، وبما أنّ المبادرات المتوافرة نادرة، صار من واجبنا أن يفهم كلّ منا الآخر وأن يتعلّم كلٌّ منا من الآخر، هذا إذا كانت تحدونا نية حقيقية لدعم عملية نشوء مجتمعات أكثر دمجاً وتعزيزها.


Untitled Document
الفهرس
>> توفير الحماية الاجتماعية تحقيقاً للدمج الاجتماعي: ما زال الطريق طويلاً طويلاً
. Untitled Document
قاعدة البيانات
المكتبة الافتراضية <<
مركز الدولي لدعم المعلومات <<
تحميل العدد الاول عن الحماية الاجتماعية
اضغط هنا

.

إن الخدمات تشكل شرطا مسبقا لكفالة مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة كاملة في المجتمع.